(1)
سنوات قليلة تقضيها قطع السندس والحرائر الصينية على ترائب الحسان قبل أن تولي هاربة بين طيات الزمن ..لا يعدو الأمر إلا أن يكون دولاب يدور ويطوي معه زخارفنا الناعمة.
ضحكات موسيقية ..من حنجرة ذات تكوين خاص!..لا تستطيع محاكاتها كل الآلات التي نعرفها!..ولا نعرفها!!..
أسير بين الحنايا والحوانيت الصغيرة ..ورائحة البخور والبهارات وأصوات الناس والباعة تختلط في وجداني..
- سيدي !!..من فضلك!..هل ساعدتني؟!.
التويت إلى الصوت الناعم الذي جاءني من الخلف؛ ليوقظ كل حواسي برجاءاته التي تستنزل ما بداخلي من عطف..و مروءة!.. مر أمامي حلم يتركز فيه وعيي في محور واحد!.. كانت العيون أبرز الحاضرين، و البدر مجللاً بغيمة!! .. كان الصفاء سيد الموقف، والألوان المتضادة من الأبيض إلى الأسود يعبران عن نفسيهما باتساع عميق!..بينما لفائف الأقمشة الملونة ساقطة من أعلى رأسها إلى الأسفل بتداخل بديع؛ ليمثل خلفية اللوحة!. هربت من عينيها بانـحناءة سريعة نـحو الرزمة على الأرض ،ولما اقتربت منها نفحتني بعطرٍ هادئ وجميل!..
لم أكن أستطيع ما فعلت؛ قبل اليوم!! ..لكنها ارتفعت عن الأرض و حاذت صدري!.. حينها قالت بصوتها الندي:
- ضعها هنا..
وضعتها فوق ما يشبه العربة..حاولت أن أكتم أنفاسي اللاهثة .. ظهر من خلفها ثلاث جواري صغيرات بينما غلام أسود نـحيل يعالج العربة مستعداً لتحريكها .. كانوا جميعاً كباقة زهور رشيقة ومعطرة . قالت شيئاً ..ظننتها تسألني ..
- نعم أنا غريب.
ضَحِكَتْ ضحكة ارستقراطية .. وضعت يدها على فمها ..لمحت أسناناً بيضاء وناعمة .داريتُ خجلي بابتسامة!.
قالت:
- هل لك أن تقبل ضيافتنا؟ …
قلت:
- لا أستطيع سيدتي !!.
لكنني سرت معهم! .. ابتَسَمَتْ لي .. بينما جواريها ضحكن هذه المرة! ..
& & &
كانت كفلك سماوي له جاذبية لا مفر منها..
مررنا على جمع من الناس، الغريب أنني كنت وليس هي محط أنظارهم !!..دخلنا تعقيدات الأزقة، كانت الطرق مرصوفة بالحجارة ونظيفة ..بينما خرجت من البيوت رائحة الزيت المقلي، والبهارات الشرقية ..كان الناس يعيشون بهدوء و اطمئنان وسلام .. انفرجت الشوارع عن قصور فسيحة ..صار الجو معطرا برائحة البخور الآن !..
دخلنا أحد البوابات الضخمة ..كان سوراً عظيماً ..انتقلت دهشتي منه لدهشة أكبر لمنظر القصر المطل من داخل السور.. أخذنا نقترب من القصر .. بينما تجلل المسافة حدائق تنفحنا رطوبتها المعطرة.. دهشت للمرة الألف هنا ؛ للطيور التي في الحديقة ..كانت ببغوات زاهية الألوان كأنها جلبت من حوض الأمزون، أو سواحل جزر استوائية !!.
وقفت عند أول درجات المدخل ..نقشت على البوابة الشبه مغلقة كتابات بالخط العربي المزخرف.. عرفتها .. وشغلت عن قراءتها!!.. تقدم الركب أمامي فتقدمت بإثرهم..
رطوبة .. برودة .. تتزايد.. مع كل خطوة باتجاه المدخل.. ولما عبرت قدمي طوق الباب ..قابلتني أنوار سلطت عن عمد إلى عينيّ!! .. تفاديتها بإحدى يديّ ..لم أستطع فتح عيني! .. شعرت بدوار ينتابني مع نسمات باردة من داخل القصر .. لم استطع الجزم في أي مكان أقف .. هل أنا أتذكر ما حدث أم أنا أعايش لحظاته؟! ..قلت وأنا أهوي على الأرض : ( أين أنا !!..) آخر ما أتذكره ،قبل ارتطامي بالرخام البارد، صوتها الموسيقي ضاحكاً بفرح : ( مرحبا بك .. في عالم السندباد!!)..
(2)
كل الأحلام تتمثل أمامي سواء ما أراها في المنام أو ماأريه عيني عندما أحارب مابدخلي من ألم.
قطوف من أزاهير شتى.. بينما محارتي الصغيرة تخبئ في داخل قلبي هداياها ..
في لحظات الوداع تنسكب العبرات، وتتبهرج الدموع كعصافير بيضاء ناعمة الملمس..
و يبقى… حديث السندباد مع الأميرة بثنْ ؛ خليط من الخيال العبق بتراث أممي مجيد!.
قالت، والعيون مغرورقة بجدائل من دموع ،كالبَرَدْ المعطر برَوْح الياسمين:
- سيدي لاتغادر !!..إلا حيثما يستطيع جسمي اللحاق بك ..أما قلبي المعمود فهو معك حيثما يممت بك السفن في بلاد الله الواسعة..!!.
قال :
- صدقيني ..وإن كنت أحب أهداب عينيك المبحرة في بحارها البنفسجية .. ليس من جامع يجمع همم لايكبحها المستحيل -نفسه- وبين بقائي في سريرك الناعم الأبيض!!…صدقيني كل الأشياء تحول بيننا!! ..لأني ولدت في جبين المستحيل ورضعت الأمل ..وترعرعت بين أغصان المجد المخلد .
أرادت أن تقول : حبيبي لاتتركني!!.. أو خذني معك!!.. لكن الدموع سبقتها ؛ لتنهمر من كواكب عينيها كنيازك نورانية، لتعبر عن ضعف يستحيل إلى قوة، كسلاح من أسلحة المرأة ،التي خبرهاالسندباد على مدى تطوافه في الآفاق..
وهنا!..استدار سندباد مغادراً الساحل.. واستحالت سفينته إلى نقطة في الأفق ما لبثت أن اختفت عن الأنظار !! ..
&&&
هاأنا ..أمتطي صهوة مركبي لأنظر إلى أفق البحر البعيد!..بفرحة تملأ قلبي بالمفاجآت، والهواء المنعش معاً.
ليست الأفراح إلا ما نصنعه لأنفسنا في ساعات الصفاء العابرة !!.
رائحة البخور والصندل.. وعطر تسكبه زهور الخزامى.. تسكن في تضاعيف وجداني..ليختبئ التاريخ في ذاكرة الزمن!.
تتمايل سفينتي كشيخ وقور يمشي على خُطا قصيرة ..تختزل مابداخله من حكمة وسكون..
كل شيء أنتمي إليه وينتمي إليّ حتى طيور النورس في تحليقها الدائري في فضاء سفينتي الرحب!.
لون مياهنا الصافية .. ودفئ بحورنا العميقة ..ونعومة رمالنا ..توحي لي بضمير له وجه محدد التفاصيل !.
وعندما … وعندما فقط!.. يكون السكون سيد الموقف ، وتختفي الغيوم ، ولاشيء بالأفق المحيط ..بينما أشرعتك بنحول سكان الجزر الأستوائية ، فهذا نذير بحلول العاصفة !!.
&&&
كل الضربات المتلاحقة لم تفقدني وعيي .. لكننها صيرتني كالمخمور من الإنهاك والتعب.. ضللت أقاوم يأسي وأحاول أن أنتشل سفيتنا من مصيرها المحتوم بمساعدة الربان .. غير أن شظية من شظايا البرق أصابت سفينتنا في مقتل..فكانت القاصمة!!.. ولما اندلعت النيران على ظهر سفينتا الغارقة .. لمحت الهزيمة في عيني الربان العجوز .. فعرفت أن علي اللحاق بالآخرين!.. فقفزت في اليم ..! وتركته وحدة!!.
( 3 )
تتسارع الخطوات في قلب الحدث ، كخُطى أطفال يتراكضون لاعبين..كل الأشياء تخفق باضطراب كقلب يسكن أضلاعي!.
أشعة الشمس البلورية بين الأشجار ..نسيم من شاطئ البحر ؛ زكي، ورطب…الأرض الهشة تحت أقدامنا !!..
تحرك الرفاق نـحو وسط الجزيرة ، حيث العقد الجبلية ..ومن تمام الحكاية أن أقول بأني أوجست ما أوجسه الجميع حينما يغامرون المغامرة الأولى والأخيرة .. على الإطلاق!!.
قال أحد الرفاق: (إننا إن التففنا من وراء التلال ، لعلنا أن نجد مايسلكه العابر على قدميه ،من طريق!..)
فتح أحدهم حقيبته ..وأخرج منها رقعة مهترئة..نظر إليها.. أدارها في كل الاتجاهات .. لم يعرف الجنوب من الشمال!!.. ثم أعادها إلى مكانها ،ومضى ،ومضينا نتبعه!.
كل العطور ..استقبلتنا من أكمام أزهارها الملونة لما انخفضت بنا الأرض منطلقين خلف التلال المتراكبة .
كان منظر السهل الأخضر الممتد ، يوحي بأننا كسبنا معركتنا الأولى مع الجزيرة . كانت المساحات المنبسطة أمامنا توحي لسكان الصحراء أمثالنا بالبهجة، و كأنها مرابع لإبلنا لو نشاء !!.
تساقط الأصحاب تحت ظلال صخرة وسط السهل ..لنكافئ أنفسنا بقيلولة مبكرة .
كنت مسجى بينهم كالقتيل .. أبهجتني.. نتف السحاب الأبيض في سماء زرقاء لطيفة !.
أحسست برائحة العشب ..بينما هبت نسائم مختلطة برائحة المحيط.. فالغابة.. فزهور السهل.. لم أحتج لأكثر من ذلك لترسلني إلى عالم الأحلام بهدوء.. واطمئنان .. وسكينة !..
( 4 )
ما أسعد الإحساس بالسعادة نفسها !.. حينما يلقي الإنسان كل شيء وراءه ويحتفظ بخديعة محببة ؛ يخفيها بين أضلاعه !.. إنه يكافئ نفسه حين عبر إلى الأمام..ولو لخطوة واحدة !.
رأيت أمي تعد لي الفطور في صباحٍ بارد ..وحنانها العذب يتدفق عبر عينيها.. وكأني مسجى على فراشي، وكل الكون لايسعني حينها . ثم رأيتها تقبل نـحوي مسرعة!.. غيمة كئيبة على وجههاالمزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |